Kmag 




قول اليوم
ليس من شأن الله أن يلهم رغبات يستحيل تطبيقها. القديسة تريزا الطفل يسوع


الإسم والشهرة:

البريد الالكتروني:

  

الخبر السار
الله يحبني من السهل أن نقول: الله يحبّنا. نحن نقول ذلك كلّنا. إنما هل كلّ واحد منا قادر أن يقول: "أنا أكيد أنّ الله يحبّني؟" إنّه ليس من السهل أن نقول ذلك. إنما إنها الحقيقة. إنه تمرين مفيد يمكن أن يقوم به كل شخص منا بأن يقول: إنّ الله يحبّني. إنها جذور ضمانتنا، أساس الرجاء...هل الله يحبني حتى في هذه الظروف الصعبة؟ نعم الله يحبني... حتى عندما ارتكب هذا العمل السيء... الله يحبني! (البابا فرنسيس)

مقالات
التلميذ الحبيب ينمو ويكبر – الأب اندريه غاوي م.ل.
"وكان يسوع ينمو بالحكمة والنعمة والقامة أمام الله والناس " (لوقا 2: 52)، هذا ما جاء على لسان القديس لوقا الإنجيلي عندما أضاع يوسف ومريم الطفل يسوع في الثانية عشرة من عمره وهو في الهيكل في أورشليم حيث وجداه بعد ثلاثة أيام من البحث عنه. كلُّنا يعلم ان النمو بالقامة هو حالة طبيعية تخصُّ عالم الجسد البيولوجيّ الذي ليس بحاجة الى المعارف أو المدارس كي ينمو ويكبر، كما هو الحال بالنسبة للنمو بالحكمة. ولكن الطبيعة التي نحيا بها الان في عالم الأرض، إنما تتطلب المأكل والمشرب من أجل النمو في القامة، وهذا شيء لا نستطيع ان نتحكّم به لأنه شأنٌ بيولوجي طبيعي، نجوع فنأكل ونعطش فنشرب، وهكذا يتمّ النمو الجسدي في القامة يوماً بعد يوم. أما النمو في عالم الحكمة والمعارف العامة، فهو أمرٌ خاضع لمراحل التنشئة الدراسية، ويتناغم هذا الأمر مع القُدرات التي يحملها كلٌّ منّا بحسب الطاقات التي وهبتّ له من الله كي يُنميّها من أجل الخير العام والتقدُّم في المعارف البشرية. ويبقى أخيراً النمو في النعمة، الذي هو شأن روحيّ أي داخليّ في عمق مسيرة الانسان وعلاقته مع الله. هذا النمو الذي "يجبّ" ان يُعمل من أجلهِ من قِبلِ الجميع لا سيمّا من جانب التلميذ الحبيب وكل مؤمن ومؤمنة بحضور الله الذي هو الهدف الأول والأخير في مسيرة حياة الانسان المؤمن الحقيقي، الساعي الى الولادة الأبدية في عالم الملكوت. وأمام هذه الحقائق الثلاث المتكاملة والمتناغمة مع بعضها البعض التي عاشها يسوع والتي يجب ان ينمو في أبعادها الثلاث كُلّها كلُّ انسان، تستوقفنا حياة أكثرية الناس على الأرض التي تنمو بطريقة مشوّهة، باتجاه البُعد الجسديّ فقط أي لنموٍ واحد أو اثنان في الأكثر مع النمو في الحكمة والمعارف البشرية، من دون السعي الى النمو في البُعد الأساسي والجوهري من كل الوجود، الذي هو حقاً نمو "التلميذ الحبيب" على قلب يسوع، أي النمو في النعمة.
ما هو إذاً في الحقيقة هذا النمو الذي "يجب" أن نسعى إليه جميعاً دون استثناء، والذي تكلّم عنه يسوع عندما أجاب مريم ويوسف اللذان أضاعاهُ في هيكل أورشليم: " لماذا تبحثان عنّي؟ الاّ تعلمان أنه يجب عليَّ أن أكون فيما هو لأبي". أليس هذا النمو هو حالة الشوق القصوى والحنين العميق لمسيرة الانسان الداخلية نحو الحياة الأبدية التي وحدها تستحقّ أن يبيع الانسان "كل شيء" حتى يشتري ذلك الكنز وذاك الحقل، حقل ملكوت الله الباقي لنا ومعنا الى الأبد؟ أليس أيضاً هذا النمو، هو تلك العلاقة التي تربطنا بالكنيسة الأم والمعلمة التي يجب ان ننمو فيها النمو السليم كما ينمو الطفل في أحضان أُمه أفضل نمو من سائر كل الأماكن الأُخرى في العالم؟ أوليس هذا حقاً ما عناه يسوع الطفل في الهيكل عندما أجاب قائلاً: " يجب ان أكون فيما هو لأبي"؟ فلكي نُدرك تمام الإدراك قيمة هذا النمو الجوهري في النعمة سنتوقف على ثلاث محطات أساسية في مشهد وجود الرب في الهيكل بحسب الأنجيلي لوقا 2: 41-52.

1-" كان أبواه يذهبان كلّ سنة الى أورشليم في عيد الفصح ": إنه لمن البديهي ان تبدأ في البيت الوالدي كل تنشئةٍ ونموٍ على جميع الأصعدة أي النمو المثلث في "الحكمة والنعمة والقامة"، فيتلقى المولود الجديد كل شيء جديد وينطبع بخصائل العائلة منذ نعومة أظافره، فكما يتلّقى في البيت التوجيه والتعليم والتربية "ينمو ويكبر". من هنا أهمية الحديث عن التربية البيتية التي قال عنها أيضاً عالم النفس فرويد: "الطفل هو رجل الغد" والتي نُدرك جميعنا مع هذه الحقيقة، حقيقة حياتنا وتصرفاتنا في عالم اليوم، بحيث كما نتربّى في المدرسة الأولى، أي البيت الوالدي، سنكون حتماً في مستقبل حياتنا. فتعالوا إذا نتسأل معاً: لماذا يوجد في عالم اليوم الكثير من الضياع والتشوّيه لمفهوم الله والكنيسة والأخلاق... التي نعاني منها الكثير في مجتمعاتنا وزماننا الحاليّ؟ اليس البيت الأول وعادات البيت في التربية الأخلاقية والروحية في الذهاب الى الكنيسة والاحتفال بالأسرار المقدسة والأعياد السنوية، هي من المسؤولية الأولى للآباء والامهات تماماً كما كانت عائلة الناصرة كل سنة كعادتها تذهب الى اورشليم للاحتفال بعيد الفصح (لوقا 2: 42)؟ نعم إنها صرخة مؤلمة في عالم اليوم ان يتحوّل يوم الأحد يوم الرب عند سائر المسيحيين الى يوم راحة وعطلة عن كل شيء حتى عن الله. فتصبح الأولوية لراحة الجسد ولنموِّنا الأرضيّ البيولوجيّ تحت شعائر وتسميات كثيرة مخدّرة لضمير الانسان، كالتي نسمعها مع الكثير من الأفراد والجماعات "ليس لدينا الوقت من كثرة أشغالنا، فعملنا هو صلاة، والله يقبل أعمالنا كأنها صلاة" اوليس هذا الواقع صورة مشوّهة ومؤلمة لمسيرة الانسان الروحية في التربية لأبنائنا والنمو بالنعمة؟ أوليس هذا مسؤولية الآباء والامهات كما كانت مسؤولية يوسف ومريم بالذهاب كعادتهم كل سنة للاحتفال بعيد الفصح مع ابنهم يسوع؟ لا، من غير المسموح لكَ ولكِ أنتم المسؤولون والمؤتمنون عن أبنائكم الذين تُعطون الأولية لنمو أجسادهم قبل كلّ شيء على حساب كلِّ نمو آخر أساسي يجب أيضاً ان يترافق مع نمو الجسد. أما حقاً يصحّ فيكم ما قاله بولس مستشهداً بنبوءة أشعيا: "يُجدّف على اسم الله بين الوثنيين وأنتم السبب" (روما2: 24)

2-" بعد انقضاء أيام العيد، بقي الصبيّ يسوع في أورشليم ": يُخبرنا لوقا في هذا المشهد الانجيليّ أنه بعد انقضاء أيام العيد، بقي الصبيّ يسوع في أورشليم لأن البقاء في الكنيسة ومتابعة التنشئة والمشاركة في الأسئلة والأجوبة كما حدث مع يسوع عندما وجداه بعد ثلاثة أيام في الهيكل يستمع الى المعلّمين ويسألُهم، هذه الأمور هي وقفة أساسية وجوهرية في النمو الروحي أي النمو في النعمة لكل انسان على مثال نمو يسوع الذي أراد بفعل حُرّ ان يبقى في هيكل أورشليم بعد انقضاء أيام العيد. فالمشاركة في الاحتفالات الروحية والاسرار المقدسة بصورة دورية واسبوعية ليس فقط في أيام العيد، تطبع في نفس الانسان الشوقّ الأكبر للعلاقة الحميمة بين الله والانسان. وكم نفتقد في عالم اليوم للكثير من التربية الروحية بسبب الجهل واللامبالاة في عائلاتنا لعدم تواجدها وبقائها في داخل الكنيسة، ليس فقط في أزمنة الأعياد الكبيرة، ولكن في كلِّ آنٍ، حيث هي مسؤولية العائلة من الصِغَر لترك بذار الروح " تنمو وتكبر" كما هو الحال لنمو الجسد في القامة. فالبرغم من أن عملية البقاء في "هيكل أورشليم" للطفل يسوع تحمل من دون أدنى شكّ المعاني اللاهوتية الكثيرة لإصرار يسوع في التعمق والتعلّق في هذا المكان، الذي فيه سيُقدّم بحرّية تامة هيكل جسده من اجل خلاص العالم والذي فيه أيضاً سيقوم في اليوم الثالث. أوليس هكذا أيضاً نحن جميعاً وبملء حريتنا مسؤولون عن متابعة البقاء في الكنيسة "في أيام العيد وبعد انقضاء أيام العيد" من أجل النمو السليم والصحيح للتلميذ الحبيب كي "ينمو ويكبر" ليصل لملء قامة المسيح بالقيامة الأبدية في عالم الملكوت؟

3-" لماذا تبحثان عنّي؟ الاّ تعلمان أنه يجب عليَّ أن أكون فيما هو لأبي": بأجمل تعبير للنمو الروحي الكنز الأفضل والأول لاكتساب ملكوت السماء، الذي هو مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى، يتوجّه يسوع لكل أبٍ وأمٍ بشخص يوسف ومريم ويعلن قائلاً: " لماذا تبحثان عنّي؟ الاّ تعلمان أنه يجب عليَّ أن أكون فيما هو لأبي" ألاّ تعلمان أيها الآباء والأُمهات انكم المسؤولون الأوائل عن نمو أبنائكم في قلب الكنيسة الأُم والمعلمة. "الاّ تعلمان" انكم ستُطالبان عن كلِّ ما أُعطيّ لكما من أبناء، كي يعطوا ثماراً روحية دائمة، فتدوم ثمارهم من جيل الى جيل؟ ها يسوع يتساءل معكم بغرابةٍ كبيرة وكأنه بتساؤله "لماذا تبحثان عني" يوّد ان يُذكّر بوجوب تواجدكما الدائم في الكنيسة ليس فقط من أجل تربية أطفالكُم، ولكن لضرورة وجودكُم "أنتم" أيضاً لأننا جميعنا بحاجة دائمة "لتنشئة دائمة" في حقل الملكوت كي "ننمو ونكبر" كالتلميذ الحبيب على قلب الرب. فليس المطلوب منكُم ان تكونوا مثل الجرس الذي يدعو الناس لدخول الكنيسة ويبقى هو دائماً خارجها. أنتم أيضاً مُطالبين عن صحتكُم ونموِّكم الروحيّ. ألّا تعلمان ان الصحة السليمة الدائمة لكل انسان هي نتيجة الغذاء الصحيّ "الدائم" للجسد؟ لذلك "يجب" أن نعطي الأهمية الكُبرى لوجودنا المستمر في جسم الكنيسة والطاعة لله في قبولنا للأسرار المقدسة، غذاؤنا الروحي الصحيّ لحياةٍ أبدية. أوليس صرخة يسوع في عالم اليوم وفي كل زمن، هي أحقّ بالطاعة أكثر بكثير من الطاعة للعالم ولرغبات وحاجات العالم الزائل؟ نعم "إن الطاعة لله أحقّ من الطاعة للبشر". (اعمال 5: 29)
خلاصة: " يجب عليَّ أن أكون فيما هو لأبي" ستبقى هذه الصرخة من يسوع الطفل بصوت كل أطفال العالم، صرخة مدوّية لكل الآباء والأُمهات في العالم كي يعوا دورهم في تنشئة أبنائهم بطريقة متناغمة في "النمو المثلث" بين القامة والحكمة والنعمة. تماماً كما نعمل للأرض كذلك للسماء، وكما نُعطي العمر كلّه لأحاسيسنا من أجل قيّم وشهاداتٍ أرضية نفتخر بها في نموّنا ونمو أبنائنا الفكريّ والجسديّ، كذلك أيضاً شهادتنا للقداسة ومسؤوليتنا كي لا نعمل فقط للقوت الفاني بل للباقي لحياة أبدية، هذا ما "يجب" ان تكون دعوتنا الأولى على هذه الفانية. فليس مسموحٌ إذاً بعد الآن، ان يبقى صوت يسوع ينادي وهو خارج هياكل أجسادنا، لأن قلب الانسان والتلميذ الحبيب هو مسكن الله الأعظم. وليس مسموحٌ أيضاً ان يبقى صوت الطفل يسوع يُنادي وحدَهُ في الهيكل الفارغ من الناس وصداهُ ما زال يتردد في كنائس عالم اليوم:" يجب عليَّ أن أكون فيما هو لأبي" في وقت العيد وفي سائر الأوقات كُلّها من عُمرنا، لأن الذي أعدّه الرب للتلميذ الحبيب ولكل من يطيعون الرب هو أعظم من كلّ نموٍ أرضي لشهادات فانية، هو ذاك الذي "لم ترهُ عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر".

الأب اندريه غاوي م.ل.